عفيف الدين التلمساني
136
شرح مواقف النفري
إن طلبت مني فأعطيتك رجعت عني إلى مطلبك وإن هربت إليّ فأجرتك رجعت عني إلى الأمن من مهربك من خوفك وأنا أريد أن أرفع الحجاب بيني وبينك ، فقف بين يدي لأني ربك ولا تقف بين يدي لأنك عبدي ) . قلت : الحق تعالى وصّى عبده فيما تقدم أن لا تقف وقوفا أصلا ، ثم ذكر ههنا فقال إن أردت أن تقف بين يدي فكأنه قال إن كان ولا بد من إرادة الوقوف بين يدي فليكن على هذه الصفة وهي أن تقف بين يدي لأني ربك فتكون مع صفة الربوبية وهي لي ، ولا تقف بين يدي لأنك عبدي فتكون مع العبودية وهي منك ، فوقوفك مع صفتي أشرف من وقوفك مع صفتك ، ومنعه أن يقف مع صفته التي هي أشرف صفاته وهي العبودية فلأن يمنعه الوقوف بين يديه طلبا منه أو هاربا إليه ، وكلاهما وقوف مع حظوظ عن صفات دنية بالنسبة إلى صفة العبودية من باب الأولى . فحاصله أنه نهاه أن يسكن إلى غيره لا إلى الطلب أو اليأس إذا منع ولا إلى مطلبه إذا أعطى ولا إلى الأمن من المهرب من خوفه إذا أجير ؛ لأن المراد رفع الحجاب وهو لا يحصل لمن فيه بقية من حظ ولا رسم ولا اسم . قوله : ( وقال لي : إن وقفت بين يدي لأنك عبدي ملت ميل العبيد ، وإن وقفت بين يدي لأني ربك جاءك حكمي القيوم فحال بينك وبين نفسك ) . قلت : قد بين له الحكمة في أنه إن وقف بين يديه كما أمره ما ثمرته ، وإن وقف بين يديه كما عنه نهاه ما مضرته ، فأما مضرته فأن يميل ميل العبيد والعبد لا تردعه إلا العصى فيخشى على الواقف وقوف العبيد أن يعمل خوفا أو طمعا وهاتان الخلتان إليهما ميل العبيد . وأما إذا وقف بين يديه لأنه ربه كان ذاهلا عن صفة نفسه التي هي العبودية ، وبذهوله عن نفسه شغلا بربه تعالى يتهيأ له الانسلاخ عن النفس سريعا وحصول الفناء الذي هو المطلوب سهلا ، ثم بين كيف ذلك فقال : « جاءك حكمي القيوم » أي يشهده القيومية التي بها قام ، وذلك أن يشهده أن الوجود الخاص به ليس هو وجوده بل وجود ربه تعالى فضلا عن الوجود العام ، ويشهده أن حقيقته هي التعين وهو أمر عدمي كما تقدم ، والمتغير ليس هو العبد فيرى أن